السيد محمد باقر الصدر

602

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

ندرسها بعد لحظات . وأمّا ممارسة الفرد للزراعة في أرض عامرة بطبيعتها ، أو استخدام أرض لرعي الحيوانات ، فهذه الأعمال وإن كانت من أعمال الانتفاع والاستثمار في المصادر الطبيعيّة ولكنّها لا تبرّر وجود حقّ للزارع والراعي في الأرض ؛ لأنّه لم ينتج الأرض نفسها ، ولا فرصة عامّة كالفرصة التي أنتجها إحياء الأرض الميتة . صحيح أنّ الزارع أو الراعي أنتج زرعاً ، أو ربّى ثروة حيوانيّة عن طريق عمله في الأرض ، ولكنّ هذا يبرّر تملّكه للزرع الذي أنتجه ، أو للثروة الحيوانيّة التي تعاهدها ، ولا يبرّر تملّكه للأرض وحقّه فيها . فالفرق إذن بين هذه الأعمال وعمليّات الإحياء : أنّ تلك العمليّات تخلق فرصة للاستفادة من الأرض أو المنجم أو العين لم تكن قبل الإحياء ، فيملكها الفرد ويكتسب عن طريق تملّكه لهذه الفرصة حقّه في المصدر الذي أحياه . وأمّا الأرض العامرة بطبيعتها ، أو الأرض الخضراء بطبيعتها التي يمارس فيها الفرد عمليّة الزرع أو الرعي فقد كانت فرصة الانتفاع بها في الزرع والرعي موجودة قبل ذلك ، ولم تنتج عن العمل الخاصّ ، وإنّما الشيء الذي نتج عن عمل الزارع - مثلًا - هو الزرع ؛ ولا شكّ أنّه من حقّه الخاصّ ؛ لأنّه نتيجة عمله . وفي هذا الضوء نستطيع الآن أن نستنتج شرطاً جديداً في العمل الذي يتيح حقّاً خاصّاً في المصادر الطبيعيّة ، فقد اكتشفنا آنفاً الشرط الأوّل ، وهو : أن يكون العمل ذا صفة اقتصاديّة ، ونستنتج الآن الشرط الثاني ، وهو : أن يخلق هذا العمل حالة أو فرصة معيّنة جديدة يملكها العامل ويكتسب عن طريقها حقّه في المصدر الطبيعي . وإلى هذه الحقيقة كان الإمام الشافعي يشير حينما استدلّ على أنّ المعدن الباطن المستتر لا يملك بالإحياء بأنّ المحيا ما يتكرّر الانتفاع به بعد عمارته